أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
24
العقد الفريد
باب الحركة والنوم مع الطعام ومن أكل الطعام بعد حركة كافية وأخذه على حاجة من البدن إليه ، وافى الطعام الحركة الغريزية قد اشتعلت . ومن تناول طعاما من غير حركة وأخذه مع غير حاجة من البدن إليه ، وافى الطعام الحركة الغريزية خامدة بمنزلة النار الكامنة في الزناد . ومن أتبع الطعام بنوم ، بطنت الحرارة الغريزية فيه فاجتمعت في باطن البدن فهضمت طعامه . ومن أتبع الطعام بحركة ، انحدر عن معدته غير منهضم وانبث في العروق غير مستحكم ، فأحدث سددا وعللا في الكبد والكلى وسائر الأعضاء . وربما كانت الأطعمة لضعف المعدة تطفو فيها وتصير في أعلاها ، فلا تأمره بالنوم حتى ينحدر الطعام عن المعدة بعض الانحدار ويصير في قعر المعدة . وربما أمرنا بحركة يسيرة كما ذكرنا آنفا ، لانحدار الطعام عن المعدة بعض الانحدار . وإن أكثر الشراب منع الطعام من الانهضام ، لأنه يحول فيما بين جرم « 1 » المعدة وبين الطعام ، وإذا لم تلق المعدة الطعام لم تحله إلى مشاكلة البدن وموافقته ، فيبقى فيها غير منهضم . فيجب لذلك على من أخذ الطعام أن يتناول معه من الشراب ما يسكن به حرّ العطش ويصبر على قدر احتماله من العطش ، ويصبر حتى ينهضم ، ثم يتناول بعد ذلك من الشراب ما أحب ، فإنه بعد ذلك يعين على انحدار الطعام وترقيقه لتنفيذه في المجاري الدّقاق . ويجب أيضا أن يكون أخذه للطعام في وقت حركة الشهوة ؛ وذلك أنه إذا تحركت الشهوة ولم يبادر بأخذ الطعام ، اجتذبت المعدة من فضول البدن ما إذا صار في المعدة أبطل الشهوة ، وأفسد الطعام إذا خالطه . الأوقات التي يصلح فيها الطعام أجود الأوقات كلها للطعام الأوقات الباردة . لجمعها الحرارة في باطن البدن فأما الأوقات الحارة فينبغي أن يجتنب أخذ الطعام فيها ، لأن حرارة الهواء تجذب الحرارة
--> ( 1 ) الجرم : بكسر الجيم ، الجسد ، وبضمه ، الذنب .